عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

29

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

بعلم التوحيد ، وذلك مبني على تجريد القلب عن تعلقات الكونين فيكون قابلا لنور الوحدانية فيستفيد منه علم التوحيد ، وهذا مقام الإحسان الذي سأله جبريل - عليه السلام - للنبي - صلى اللّه عليه وسلم فقال : ما الإحسان . قال : الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » . وإنما يتهيأ التجريد للقلب بعد أن يتجرد القالب عما له بد منه ، غير ما ألجأته إليه الضرورات الإنسانية ، لئلا يكون شاغلا للقلب عن قطع التعلقات ، ولا يتيسر للقلب قطع التعلقات إلا بمعونة الذكر ، وهو ذكر : لا إله إلا اللّه ، فإن للذكر في هذا المعنى تأثيرا عظيما ، فلهذا قال تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الأنفال : 45 ] فالفلاح فلاح القلب عن تعلقات الكونين ، وللذكر آداب وشرائط سنبينها في موضعه إن شاء اللّه ، فبملازمة ذكر اللسان يصفو القلب ، ثم بدوام الذكر يتنور القلب بنور الذكر ، ودوام الذكر يستدعي العزلة والخلوة ، وللخلوة شرائط وآداب نذكر شرحها إن شاء اللّه تعالى ، فإذا تخلى العبد عن الخلق متوجها إلى اللّه تعالى بصدق النية وتردد الذكر بلا فتور ولا قصور ، بحيث لا يفتر عنه في طريق الوضوء وحالة الأكل ، يأخذ قلبه عن لسانه ولسانه عن قلبه حتى تصير الكلمة متأصلة في القلب ، مزيلة لحديث النفس مستولية على قطع العلائق إلى أن يتشربها القلب ، فلا يسكت عنها بسكوت اللسان ، ثم يتجوهر القلب بجوهر الذكر فينتفي بنفيه حجب تعلقات الكونين ، ويثبت بإثباته شواهد المذكور في مرآة القلب عند اتحاد القلب والذكر ، فيكاشف بالوحدانية . فيقول : رأى قلبي ربي ، فيتحقق له علم التوحيد بعين اليقين . وقال الجنيد : علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مفارق لعلمه . وقال الجريري : ليس لعلم التوحيد إلا لسان التوحيد ، وقال الحصري : أصولنا في التوحيد خمسة أشياء : رفع الحدث ، وإفراد القدم ، وهجر الإخوان ، ومفارقة الأوطان ، ونسيان ما علم وجهل . الفصل الثالث في مقام توحيد الأخص قال اللّه تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ محمّد : 19 ] اعلم أن مقامات التوحيد ثلاث :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن الإيمان ، حديث رقم ( 50 ) ، وأخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ، حديث رقم ( 1 - 8 ) ، . وأخرجه غيرهما .